كتب العميد الرّكن المتقاعد زخيا الخوري :
مقارنةً بين لبنان القديم واليوم ،نجد أن لبنان القديم كان يُعرف بأنه “سويسرا الشرق”، وكان منارةً للفكر والمفكّرين ، وكانت الجامعات مقصداً للأجانب ،والمستشفيات وشهرتها العالمية ،المصارف وخدماتها وإنتشارها . كان وطن القانون والمحاسبة، وكانت بيروت مرتع المثقفين ، والتي لا تنام. كان المواطن يثور لأجل تعريفة “البوسطة” أو لزيادة قروش على سعر الخبز.
أما اليوم، فنحن نعيش في زمن التناقضات الصادمة. بين لبنان الماضي ولبنان الحاضر ، فالأزمات التي كانت تُسقِطُ حكومات وتُشعل ثورات في دول العالم، تمرّ في لبنان اليوم مرور الكرام ،حتى تعايش المجتمع اللبناني مع ما يسمى “البلادة السياسية والإجتماعية”، حيث يتعايش المواطن مع غياب الكهرباء، وإنهيار العملة، وسرقة جنى العمر في المصارف، وإنفجار المرفأ، كل هذه التناقضات ولّدت مواطناً مستقيلاً من واجباته ، حتى أنه إستبدل الغضب بردة فعل واحدة إسمها: “معليش”.
فنظرية المعليشية ليست مجرد كلمة عاميّة ، بل هي حالة نفسية قوامها القدرة على التأقلم مع الأزمات، وجعل الشاذ قاعدة ،على سبيل المثال حدوث الإنهيار المالي : كان الجواب “معليش المهم صحتنا وسلامة العيلة”.
أما على سبيل الخدمات العامة ، إنقطعت الكهرباء فإشترينا الموتور ، وإنقطعت المياه فأتانا “السيترن” ، البديل عن التغطية الصحية فأنشئت الجمعيات الخيرية، ودائماً كان يقال للزعيم “معليش عم ندبّر حالنا ” .
أما في السياسة كان الفساد المستشري ، توزيع المراكز والوظائف ، الإهمال والسرقات كلها تنتهي بتسوية طائفية بدل العقاب ، وتكون النتيجة تجديد للطبقة السياسية نفسها في الإنتخابات تحت شعار معليش “كلهم هيك ، بس هيدا زعيمنا بيحمينا ” .
يجب وضع حد لهذه النظرية ، لإن إصلاح هذا البلد لا يبدأ من قالب الجبنة السياسي ، بل من الوعي الفردي عبر الإعتماد على المؤسسات ودولة القانون ، لا على الزعيم أو الحزب ، وعلى المواجهة ووقف التكيّف مع الخطأ ،ورفض الحلول الترقيعية ، وتفعيل المحاسبة عبر القضاء المستقلّ ، فعندما نقتنع أن السلطة هي أجير عند الشعب وليس العكس ، عندها تسقط المعليشية تلقائياً.
لن ينهض لبنان ما دامت المعليشية هي الحاكمة ، فكسر هذا الطوق يتطلب الإنتقال الجذري من شعور الضحية المستسلمة إلى المواطن المحاسِب.
فالحقوق لا تعطى كمنّة من زعيم ، بل تنتزع بقوّة الوعي والقانون . لمتابعة اخر اخبار لبنان والعالم زوروا موقعنا الالكتروني jbail al akwa news