أنطوان العويط
في زمنٍ تتسارع فيه الاكتشافات العلميّة بوتيرةٍ استثنائيّة، ويتمدّد فيه الذكاء الاصطناعيّ إلى مساحاتٍ كانت حتى وقتٍ قريب حكرًا على العقل البشريّ، يقف العالم أمام مفترقٍ حضاريٍّ عميق. فالمسألة لم تعد تقتصر على ما تستطيع التكنولوجيا إنجازه أو على حدود قدراتها المتنامية، بل بات السؤال الأكثر إلحاحًا يتمحور حول أيّ إنسانٍ نريد أن نكون في هذا العصر الجديد، وأيّ صورةٍ للإنسان ستبقى حاضرة في عالمٍ تتقدّم فيه الآلة بخطى متسارعة فيما تتعرّض قيم المعنى والعلاقات الإنسانيّة الأصيلة لخطر التراجع والتآكل.
في هذا السياق، استوقفتني الرسالة البابويّة العامّة “الإنسانيّة الرائعة” (Magnifica Humanitas)، وهي أوّل رسالةٍ عامّة يصدرها البابا لاون الرابع عشر، وقد خُصّصت للتأمّل في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعيّ. وتفتتح الرسالة بعبارةٍ تختصر جوهر الامتحان المعاصر: “الإنسانيّة الرائعة التي خلقها الله تقف اليوم أمام خيارٍ حاسم: فإمّا أن تُشيّد برج بابل جديدًا، وإمّا أن تبني المدينة التي يسكن فيها الله والإنسانيّة معًا”.
في هذه الكلمات المكثّفة تتجلّى المعضلة الكبرى التي تواجه حضارتنا. فالقضيّة لا تتعلّق بالتكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل بالاتجاه الذي ستسلكه البشريّة في ظلّها. فهل تتحوّل المعرفة والقوّة التقنيّة إلى مشروعٍ من الغرور والاكتفاء الذاتي يعيد إنتاج “برج بابل” بصيغٍ جديدة، أم تُسخَّر لخدمة الإنسان وصون كرامته وتعزيز الخير العام وبناء مجتمعٍ أكثر إنسانيّة وتضامنًا؟
في قراءتي لهذه الرسالة، وجدتُ أنّ أعظم ما في العالم المنظور ليس ما تنتجه المختبرات، ولا ما تشيّده الشركات العملاقة، ولا ما تبتكره الخوارزميّات المتطوّرة، بل الإنسان نفسه. فهو، بما أُوتي من عقلٍ وضميرٍ وروح، وبما يختزنه من قدرةٍ على الحبّ والإبداع والعطاء، يبقى أسمى ما أوجده الله في الكون المرئيّ وأكرم مخلوقاته. ومن هذه الحقيقة تنبع كرامته الفريدة التي لا تستمدّ مشروعيتها من القوّة أو النجاح أو النفوذ أو القدرة الإنتاجيّة، بل من قيمةٍ أصيلةٍ متجذّرة في كيانه الإنسانيّ ذاته. فالإنسان كائنٌ يحمل في ذاته كرامةً لا تُشترى ولا تُكتسب ولا تُنتزع، ولا يمكن اختزالها بأيّ معيارٍ مادّيّ أو نفعيّ أو تقنيّ.
ولهذا السبب، لا يمكن التساهل مع كلّ ثقافةٍ تسعى إلى اختزال الإنسان في رقمٍ داخل قاعدة بيانات، أو تحويله إلى مجرّد أداةٍ اقتصاديّة، أو التعامل معه وفق منطق المنفعة والمردود. فالفقير والمسنّ والمريض وذوو الاحتياجات الخاصّة والطفل الذي لم يولد بعد، يمتلكون الكرامة ذاتها التي يتمتّع بها الأقوياء والناجحون وأصحاب المكانة والسطوة. وأيّ حضارةٍ تفقد حساسيتها تجاه الإنسان الضعيف، أو يتراجع فيها العطف واللين أمام منطق الكفاءة، أو تُقاس فيها قيمة البشر بقدرتهم على الإنتاج والاستهلاك فحسب، تكون قد بدأت تفقد جوهرها الإنسانيّ مهما بلغت من التقدّم العلميّ والتقنيّ.
هذا لا يعني إطلاقًا إنكار ما فتحته الثورة الرقميّة والذكاء الاصطناعيّ أمام البشريّة من آفاقٍ غير مسبوقة. ففي الطبّ تتقدّم إمكانات التشخيص والعلاج بصورةٍ مذهلة، وفي التعليم تتوسّع فرص المعرفة والوصول إلى المعلومات، وفي البحث العلميّ تتسارع الاكتشافات والابتكارات، فيما أسهمت وسائل التواصل الحديثة في تقليص المسافات وتقريب الشعوب والثقافات. غير أنّ التقدير المشروع لهذه الإنجازات لا ينبغي أن يتحوّل إلى انبهارٍ غير نقديّ أو إلى إيمانٍ أعمى بقدرة التكنولوجيا على حلّ جميع أزمات الإنسان.
فالتقنيّة، مهما بلغت من التطوّر، تبقى أداةً وليست غاية، ووسيلةً وليست بديلًا عن الإنسان. إنّها تستطيع أن توفّر المعرفة، لكنّها لا تمنح الحكمة؛ وأن تزيد من الكفاءة، لكنّها لا تخلق المعنى؛ وأن تسهّل التواصل، لكنّها لا تضمن قيام علاقاتٍ إنسانيّةٍ حقيقيّة. ذلك أنّ الآلة، مهما تعاظمت قدراتها، يتاح لها أن تحسب جيّدًا، لكن لا تستطيع أن تحبّ. وهي تحلّل البيانات بدقّة، لكنّ لا يمكنها أن تتألّم مع إنسانٍ موجوع أو أن تواسي قلبًا منكسرًا. فهي قادرة على معالجة المعلومات، لا على اختبار المعنى؛ وعلى محاكاة بعض مظاهر الذكاء، لا على عيش الخبرة الإنسانيّة بكلّ ما تختزنه من محبّةٍ وحرّيّةٍ وضميرٍ وتعاطف.
من هنا، فإنّ السؤال الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعيّ ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا أن تنجزه، بل أيُّ إنسانٍ نريد أن نصبحه في ظلّ هذا الإنجاز. فالمعيار النهائيّ يُقاس بقابليّة الإنسان على الحفاظ على حكمته وضميره وحريّته. وعندما يبقى الإنسان في مركز المشروع الحضاريّ، تغدو التكنولوجيا نعمةً تُسهم في ازدهاره؛ أمّا حين تحلّ محلّه أو تتجاوز حدودها، فإنّها تتحوّل إلى مصدرٍ جديدٍ للتيه الإنسانيّ وفقدان البوصلة الأخلاقيّة.
وفي نهاية المطاف، يتبيّن أنّ الإشكاليّة الأساسيّة التي تواجه عالمنا هي إنسانيّة وروحيّة في المقام الأوّل. فأزمة الإنسان المعاصر ليست نقصًا في المعلومات، بل محنة معنى وغاية واتجاه. ولذلك يبقى الخيار مطروحًا أمام البشريّة بين برج بابل الرقميّ القائم على وهم القدرة المطلقة، والتكبّر والغطرسة والاستغناء عن الآخر والتألّه الذاتيّ، وبين المدينة الإنسانيّة التي تجعل من كرامة الإنسان حجر الزاوية في كلّ ارتقاء.
العالم بالنتيجة لن ينجو بالذكاء وحده، بل بالحكمة أيضًا، ولن يُبنى بالغلبة التقنيّة فحسب، بل بالقدرة على صون الإنسان في جوهره الأعمق. وعند هذه النقطة تحديدًا يتجلّى المعيار الحقيقيّ لكلّ تطوّر. فالإنسان لا يصبح عظيمًا بما يملكه من قوّةٍ أو معرفة، بل بما يختاره من محبّةٍ وخدمةٍ وعطاء. وحين يجعل من العلم أداةً لرفع شأن الإنسان لا لاستبداله، ومن التكنولوجيا وسيلةً لخدمته لا للهيمنة عليه، يكون قد أدرك معنى التقدّم الحقّ.. Follow this link to join my WhatsApp group: https://chat.whatsapp.com/F3uNzGux4nD8hDzxOuzKIL. لمتابعة اخر اخبار لبنان والعالم زوروا موقعنا الالكتروني jbail al akwa news