يتجلى أن العفو العام في جوهره لا يعدو كونه مجرد إجراء قانوني تقني وإنما هو خيار سياسي بامتياز يترجم من خلال نص تشريعي قانوني يُرسم من خلاله الإطار العام للمبدأ والاستثناءات. مع الإشارة إلى أن طرحه يكون عادةً في المراحل الانتقالية أو في سياق التسويات الكبرى حيث تتقدم الاعتبارات السياسية والأمنية والاجتماعية والطائفية على منطق العقاب الصرف.
بيد أن طرح هذا الموضوع في لبنان يُعتبر حفلة مزايدات لشدّ عصب مجموعة أو فئة ما، لا سيما مع غياب الرؤية الوطنية الشاملة ما يجعله عرضة للالتباس وسوء الاستخدام والتغيير والتفسير.
من هنا يبرز موضوع المبعدين في إسرائيل وطريقة وآلية مقاربته، إذ يجب التمييز بين من وجد نفسه في إسرائيل تحت ضغط ظروف الحرب أو الخوف أو الإكراه وبين من كان يتعامل معها. وهذا التمييز ليس ترفًا قانونيًا أو وجهة نظر سياسية طائفية بل هو شرط أساسي لأي عدالة متوازنة. وعليه إن العدالة تكمن في نصٍ لا يترك المذنبين من المحاسبة ولا يغلق الباب أمام من يستحق فرصة العودة. فالعفو يجب أن يكون أداة عدالة انتقالية مدروسة وليس حلا جاهزًا لإدارة أزمة كأن الدولة لا تملك سوى خيار شطب الجرائم بدل معالجتها.
يغدو من التجربة اللبنانية التشريعية لا سيما في ما يتعلق بقوانين العفو أنها لا تدعو إلى الإطمئنان، إذ إن النصوص تصاغ بطريقة فضفاضة، الأمر الذي يترك أبواب التأويل والتفسير مفتوحة لتطبيق انتقائي بما يخدم التوازنات السياسية أكثر مما يخدم العدالة المرجوة.
استناداً إلى ما تقدم، إن ملفًا بهذه الحساسية يستحسن ألا يشوبه الغموض في النص لأن الموضوع لن يكون تفصيلا تقنيًا بل مدخلا لانفجار سياسي وقانوني. فالدولة التي تعفو بلا معايير كأنها تساوي بين الضحية والجلّاد.
في الختام، إن العفو في شكله الحالي المطروح يبدو أقرب إلى تسوية مقنعة منه إلى تشريع مسؤول. قد يكون الأمر ليس غريبًا عن مجلسٍ عقيمٍ لا يفقه بأصول التشريع الصحيح غير أن موضوع بهذا الحجم والأهمية يحتاج إلى تروّ ودراسة اجتماعية وقانونية دون التفكير بالمكاسب السياسية الظرفية، لأنه إذا كان العفو مشوهًا سيكون بابًا جديدًا للفوضى القانونية والسياسية. ليبقى السؤال أي دولة نريد، دولة القانون أم دولة تشرّع قوانينها على قياس أزماتها وأزلامها؟! فالقانون هنا لا يجب أن يكون أداة لإسقاط العقاب بل إطاراً لإعادة إدماج مشروطة تحفظ هيبة الدولة وتمنع تكرار التجارب السابقة.
Follow this link to join my WhatsApp group: https://chat.whatsapp.com/F3uNzGux4nD8hDzxOuzKIL
لمتابعة اخر اخبار لبنان والعالم زوروا موقعنا الالكتروني jbail al akwa news