jbail Al Akwa News: قراءة متأنيّة في المشهد الإيرانيّ: دولة تقاوم التغيير ومجتمع رافض للانتظار
أنطوان العويط
إيران اليوم ليست في لحظة احتجاج عابرة، بل في زمنٍ يصحّ فيه توصيف المشهد على أنّه حالة افتراق تاريخيّ بين دولةٍ تُعرّف نفسها كنظامٍ عقائديّ، وشعبٍ بات يرى هذا التعريف عبئًا ثقيلًا على حياته ومستقبله.
ما يجري في الشارع الإيرانيّ يتجاوز مفاهيم الانتفاضة والاحتجاج المطلبيّ، ويدخل منطقة رماديّة جديدة لم تعرفها الجمهوريّة الإسلاميّة منذ قيامها، في ظلّ ضغوط إقليميّة ودوليّة غير مسبوقة. إنّها حركة غضب واسعة، عميقة، ومتواصلة، بلا رأسٍ سياسيّ واضح، لكنّها تضرب في صميم العقد غير المكتوب الذي قام عليه النظام قبل خمسة وأربعين عامًا.
الفجوة بين النظام وخصومه لم تعد سياسيّة فحسب، بل تحوّلت هوّة سحيقة في الرواية والتفسير والمعنى. الشارع يرى نفسه في ثورة على نمط حياة مُصادَر، وعلى اقتصادٍ مُحتكر، وعلى دولة تطلب الصبر وتُراكم الامتيازات والخسائر معًا. في المقابل، يرى النظام في ما يحدث مؤامرة مركّبة تُدار من الخارج وتُستثمر في الداخل. وبين الروايتين، يتآكل ما تبقّى من لغة مشتركة، ويضيق هامش التسويات الممكنة.
من زاوية المحتجّين، لم ينفجر الشارع فجأة، بل انفجر متأخرًا، بعدما سبقته خلال السنوات الماضية موجات احتجاج متفرّقة قُمعت أو احتُويت. سنوات من الاختناق الاقتصاديّ، والعقوبات، وتراجع العملة، وارتفاع نسب الفقر، ترافقت مع شعورٍ متزايد باللاعدالة. غير أنّ العقوبات وحدها لا تفسّر حجم الغضب. ما يغذّيه فعليًا هو بنية داخليّة مغلقة، واقتصاد تهيمن عليه مؤسّسات عسكريّة وأمنيّة غير خاضعة للمساءلة، تستحوذ على مفاصل الإنتاج والاستثمار، وتُدار بمنطق الامتياز لا الكفاءة. وفوق ذلك، جاءت الطموحات الإقليميّة للنظام، بما تحمله من أكلاف ماليّة وبشريّة وسياديّة، لتُعمّق الإحساس الشعبيّ بأنّ الخارج لا يُموَّل من فائض التنمية، بل على حساب الداخل، وبنتائج باهظة ومخيّبة.
هنا، تحوّل السؤال الجوهريّ من “كيف نعيش” إلى “لماذا نُحكم بهذا الشكل”. وللمرّة الأولى، وربّما بوضوح غير مسبوق، يُرفع شعار إسقاط النظام والقطيعة مع الجمهوريّة الإسلاميّة بصوت علنيّ واسع، لا من نخب معارضة في الخارج، بل من قلب الشارع الإيرانيّ نفسه. ومع ذلك، تبقى الحركة أسيرة غياب القيادة، وتشتّت التنظيم، وانعدام القدرة على تحويل الغضب الشعبيّ إلى مشروع سياسيّ متماسك، قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آن.
في المقلب الآخر، بدا النظام في أيامه الأولى مترددًا، كأنّه يختبر حدود الاحتجاج ويقيس كلفته. لكن سرعان ما حسم خياره. خطاب المرشد الأعلى، بتصنيفه الحركة في خانة التآمر الأميركيّ – الإسرائيليّ، لم يكن مجرّد توصيف إعلامي، بل إشارة انطلاق واضحة. منذ تلك اللحظة، انتقلت الدولة من منطق الاحتواء إلى منطق القمع الدامي ومحاولةالحسم، مع توفير الغطاء الدينيّ والسياسيّ والأمنيّ لاستخدام القوّة. الهدف كان جليًّا. منع الاحتجاج من التحوّل إلى مسار تراكميّ يعيد إنتاج رموز ما قبل الثورة، أو يفتح الباب أمام شخصيّات بديلة، عسكريّة كانت أم مدنيّة، بما يهدّد الشرعيّة العقائديّة التي قام عليها النظام.
هذا الخوف ليس مبالغًا فيه. تظهير اسم نجل الشاه المخلوع إلى التداول، ولو بصفته رمزًا لا مشروعًا جاهزًا، تشكّل تحدّيًا وجوديًا للنظام. فهي تعني إعادة فتح ملف الماضي الذي سعت الثورة العقائديّة إلى طيّه نهائيًّا، وفي منطق الأنظمة العقائديّة، تُعدّ هذه لحظة خطر قصوى.
خارجيًا، تتّجه الأنظار إلى واشنطن، وتحديدًا إلى دونالد ترامب. الرجل أغلق، نظريًا، نافذة الدبلوماسيّة، وانتقل إلى خطاب تحريضيّ مباشر يدعو الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسّسات الدولة.
في خلفيّة هذا الخطاب، ترسانة خيارات أميركيّة تتجاوز الضربات العسكريّة التقليديّة، وتشمل أدوات سيبرانيّة ونفسيّة وإعلاميّة واسعة.
لكن السؤال الحقيقيّ لا يتعلّق بما تستطيع واشنطن فعله، وهي قادرة على ما هو أدهى، ولا بالردّ الإيرانيّ الطبيعيّ على أكثر من هدف في المنطقة، ومن أذرعها ربّما، بل بما قد يترتّب على ذلك داخل مجتمع يخشى الفوضى بقدر ما يرفض القمع.
كثير من الإيرانيين لا يريدون تكرار سيناريوهات الانهيار في المنطقة. وهم، رغم غضبهم العارم، يتحسّسون من التدخّل الأميركيّ، والإسرائيليّ حتمًا وقطعًا، ويخشون أن يتحوّل بلدهم إلى ساحة صراع مفتوح.
هنا تكمن مفارقة التدخّل، فما قد يُضعف النظام نظريًا، قد يدفعه عمليًا إلى مزيد من التماسك تحت عنوان الدفاع عن السيادة.
في ضوء ذلك، يتأرجح المشهد الإيرانيّ بين مسار انفجار كبير يفترض انتفاضة شاملة عابرة للمناطق والاتنيات، وانقسامًا داخل البنية الصلبة للنظام، وبيئة دوليّة تسمح بتغيير جذريّ، وقيادة بديلة مقبولة داخليًّا وخارجيًّا. حتى الآن، لم تكتمل هذه المعادلة.
أمّا المسار الثاني، فهو تآكل أبطأ وأقلّ دراماتيكيّة، يُنتج تغييرًا تدريجيًا من الداخل، وتتحوّل فيه الاحتجاجات إلى حالة مزمنة تضغط بلا انقطاع، مع تجليّات إيجابيّة تطال الملفّات الإيرانيّة المفتوحة دوليًّا وفي الإقليم.
إيران، في النهاية، ليست دولة هامشيّة. إنّها لاعب إقليميّ في بيئة ملتهبة، ومعادلاتها أعقد من ثنائيّة السقوط أو البقاء. ما يجري اليوم قد لا يُسقط النظام غدًا، وقد يفعل، لكنّه بلا شك يُنهي مرحلة ويفتح زمنًا جديدًا عنوانه دولة تقاوم التغيير، ومجتمع لم يعد يقبل بالانتظار.
لمتابعة اخر اخبار لبنان والعالم زوروا موقعنا الالكتروني jbail al akwa news