jbail Al Akwa News:
بعد مادورو ومع عصا ترامب «المدببة»، وسيادة حق القوة: أين يتّجه لبنان؟
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في جريدة الجمهورية:
Monday, 05-Jan-2026 07:36
في جلسة تقويم ضمّت نخباً سياسية وفكرية وثقافية في لبنان والعالم العربي، كان تساؤل: أين يتّجه لبنان في عالم متغيّر، لا ثابت فيه إلّا المتحوّل، تسود فيه مقولة جان دولافونتين في مروياته عن الحيوانات التي يجري «حكماً» على ألسنتها: «حجة الأقوى هي الأفضل»، في حديثه عن حكاية «الذئب والحمل».
لو انصاع نيكولاس مادورو لإملاءات الرئيس دونالد ترامب، ولو مكّنه من نفط بلاده وذهبه ومعادنها الثمينة وثرواتها الطبيعية، لكان في قاموسه «بطل الديموقراطية في أميركا اللاتينية، والذائد عن حقوق الإنسان والعامل على رفاهة شعبه». وقد استحضر لهذا الغرض مبدأ مونرو «المتحور» و«المتحول» على طريقته ووفق أسلوب ادارته، ليختطف مادورو بهذه الطريقة، رافعاً العصا الغليظة المدببة الرأس في وجه كل رؤساء «حدائقه» الخلفية في هذه الأميركا المبتلية أصلاً بكل أنواع الديكتاتوريات اليمينية واليسارية وما بينهما من ديموقراطيات صورية ومزيفة، تارة باسم الحرية وطوراً باسم العدالة الاجتماعية، وما إلى ذلك من شعارات برّاقة خادعة يرفعها الرؤساء والحكام.
وترى هذه النخب، أنّ ترامب كان الأكثر فجاجة وصراحة في التعبير عن النهج الأميركي في ضرب القانون الدولي ومرجعية الأمم المتحدة والمحكمة الدولية الجنائية والمحكمة الدولية لحقوق الانسان، لكنه يتكئ على تراث في فرض منطق القوة، لا قوة المنطق دشنّه سلفه الرئيس جورج بوش الأب عندما أمر جيشه بغزو جزيرة بنما والقبض على رئيسها مانويل نورييغا في كانون الأول 1989، ثم أعقبه جورج بوش الإبن في آذار 2003 عندما أسقط نظام الرئيس صدام حسين بعدما غزا العراق واحتل عاصمة الرشيد، وأخضع الرئيس المخلوع لمحاكمة أدّت إلى إعدامه. هذا النموذج الذي قدّمته وتقدّمه الإدارة الجمهورية للعالم يتلخص بصورة واحدة: الطغيان المطلق النافي واللاغي للآخرين، المتشبث بنظرية أحادية القطب، ومروض العالم ليعمل بحسب مشيئته وطوع بنانه ورهن إشارته. أما الحديث عن الديموقراطية، وحقوق الإنسان، ومكافحة الفساد والمخدرات، فكلها مستلزمات ديكور وتجميل لنهج «الكاوبوي» في السياسات الدولية. أما سائر الدول الكبرى على المستوى العالمي أو الإقليمي، فتبدو عاجزة أمام هذا الجنوح الأميركي إلى تدمير العالم وإعادة صوغه بالطريقة التي يراها المحافظون الجدد وعلى رأسهم ترامب، والتي تستعيد في جانب من أدبياتها «مبدأ مونرو» المتحول مع ما يلائم المعطيات المعاصرة. ومنها من يواجه بـ»التطنيش» أو تجاوز ما حصل، أو الكمون في انتظار تطور ما يقلب المشهد، أو المكابرة، أو الرغبة في التذاكي وفتح قنوات جانبية على قاعدة التخادم وتبادل المصالح.
لكن، هل هذا النهج في السياسة الأميركية الذي يتوسل الحسم المباشر، ويحصد رؤوس رؤساء الدول وحكامها، سيؤدي أغراضه في إرساء قواعد جديدة في العلاقات الدولية والإقليمية؟ الجواب، أنّ عالم اليوم لا يشبه البتة الذي قبله، وأنّ القانون الدولي ومعه الامم المتحدة قد تهاويا على أرض الواقع السياسي وإن بقيا على قيد الحياة دفترياً، وفي الأدبيات السياسية المعلومة.
ترامب عرض عضلاته أمام المجتمع الدولي ورفع عصاه في وجه أوروبا، وكشّر عن أنيابه أمام إيران، وكوبا… ولسنا ندري مَن غداً: تعالوا اليّ مستسلمين، خاشعين … وإلّا… لكن ترامب هو الذي حصد، وهو الذي أراد من اختطاف مادورو الإستيلاء على ما فوق الأرض وباطنها في فنزويلا، ويسعى لإفهام طهران وهافانا أنّ يد واشنطن «طايلة» وتذكّرنا بـ«سيف السلطنة الطويل». وبالتالي: هل تعني «غزوة» دونالد أنّ الأمور ستستتب في كاراكاس، وأنّ الأخيرة ستدخل طويلاً مرحلة الاستقرار والازدهار، أو أنّها ستلج نفق حرب أهلية لن تجلب لشعب هذه الدولة المبتلي بالفساد والفقر والتعثر، الحرّية والخبز والأمن والبحبوحة. وما هو الضمان إذا ما طبّقت الولايات المتحدة مبدأ الإطباق على رؤساء الدول الذين لا يروقونها، بأنّ هذه الدول ستصون وحدتها وسلامها الداخلي وتخرج من أزماتها الاقتصادية.
إنّه حق القوة الذي يتغلّب على أي منطق وحق، وأنّ واحداً أحداً يمتلك مفاتيحه راهناً هو ترامب «سلطان» الدولة الأقوى بلا منازع في العالم. أما أين يتّجه لبنان في هذا العالم المتغيّر، فتكتفي النخب بإجابة مقتضبة متفق عليها: لبنان هو وطن لجميع أبنائه، فلا غلبة لفئة على أخرى، ولا استئثار لفريق بمقدرات الدولة من دون مسوغ، والشراكة الوطنية قدر، لأنّها تعزز مفهوم ثقافة الحياة الواحدة والعيش معاً. فلا استعداء، ولا استقواء، وإن استظهار بعض الداخل بالخارج، أي خارج، منتصر على داخل يقاسمه المواطنة، مستغلاً انكفاء خارج كان يلقي عليه الحماية، هو مغامرة عابثة تزيد لبنان شرخاً وانقساماً. والحل يكون بالعودة إلى طاولة حوار يرعاها رئيس الجمهورية جوزاف عون ويشرف عليها ويقودها بالتعاون مع رئيسي مجلسي النواب والحكومة نبيه بري ونواف سلام، لأنّ لا وقت للبنان لإضاعة ما تبقّى من فرص، وعلينا أن نهيء المظلّة اتقاءً لرذاذ المطر، فنرتق ما فيها من ثقوب، وندعم ما في قضبانها من اهتزاز
لمتابعة اخر اخبار لبنان والعالم زوروا موقعنا الالكتروني jbail al akwa news